ابن عربي

32

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

كل قوم ، ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد بشره ولا خلقه ، يتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عمّا في الناس ، ويحسّن الحسن ويصوّبه ، ويقبّح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر ، غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عياد ، لا يقصّر عن الحق ، ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة . وكان صلى اللّه عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا بذكر اللّه تعالى ، لا يوطن الأماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا جلس إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك ، يعطي كل جلسائه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ممن جالسه أو قاومه في حاجة صابرة ، ما تفارقه حتى يده يكون هو المنصرف ، ومن سأله في حاجة لم يردّه إلا بها أو ما يسره من القول . قد وسع الناس بينهم منه بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه حلم ، وحياء وصبر ، وأمانة ، لا ترفع عنده الأصوات ، ولا تؤبّن فيه الحرم ، ولا تثني فلتأته ، معادلين متفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعون يوقرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذوي الحاجة ، ويحفظون الغريب . وكان صلى اللّه عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ، ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مزّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا ييأس ولا يخيب فيه مؤمّله ، قد تزكى من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وتزكي الناس نفسه من ثلاث . كان لا يذمّ أحدا ، ولا يعيّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرتجى ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده ، إن تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوليتهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر على الغريب ، على الجفوة ، في مسألته ومنطقه ، حتى إن كان أصحابه يستجلبون بهم ، ويقول : « إذا رأيتم طالب حاجة فأرشدوه » ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه . وكان سكوته على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكّر . فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكّره ففي ما يفنى ويبقى ، وجمع له الحلم في الصبر ، فكان لا يغضبه شيء ، ولا يستفزّه . وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسن